وصية ..

في عامي السابق وعندما بلغت ال20 من العمر ..جلست في ليلتها أحاول النوم بأي طريقة لكنني لم أستطع .. الكثير من الأفكار راودتني وقتها .. وقد تزامن يوم ميلادي مع ليلة أول إختبار نهائي لي .. هديل رحمها الله لم يكن مرّ على وفاتها الكثير .. الكل كان حزيناً ومتأثراً جداً .. كنت أنتظر يومي هذا وأنا اقول هل أنا التالية ؟

هذا الهاجس جعلني أفتح دفتر محاضراتي وأكتب أول وصية لي .. فكرت في كل مامر عليّ في حياتي .. وماذا ينتظر الناس مني بعد وفاتي .. بالطبع ليس شيئاً مادياً أبداً فأنا مازلت طالبة تعيش في منزل والديها وتقتات من خيرهما .. وأثمن شيء لدي هو ماأكتب لكم به (لاب توبي العزيز) .. القليل من الديون أيضاً منيّ لإخوتي .. فريضة الحج التي لم أنجزها بعد .. أهلي وأصدقائي والمدونة  وأشياء معنوية اخرى .. وجدت نفسي وانا أكرر منهم طلب الدعاء لي .. بالطبع كان هناك نصيب أكبر لوالدي من طلب الدعاء لأني لم أظن (ولاأظن) أن هناك من سيدعو لي أكثر منهما .. كما أنني أثق في دعوة والدي بالتحديد كثيراً ..

إحتفظت بتلك الوصية مخبئة في محفظتي آخذها معي في كل مكان .. حتى قامت إحدى الصديقات (الغير مقربات) بتفتيش محفظتي .. وأنا في موقف كهذا أدع (غالباً) الشخص الذي يريد إقتحام خصوصيتي يفعل مايريد فهو في الأخير إما أن يكتشف شيئاً لا يعرفه ولم يكن يريد ذلك  فيتفاجأ  أو انه سيكتشف أنه لايوجد لدي شيء أخبئه فييرجعها إليّ وكأن شيئاً لم يحدث ..

ويبدو أن صديقتي إرتطمت بوصيتيّ الأمر الذي جعلها ترجعها لي بسرعة وقد بان الذهول على وجهها .. من يومها وضعتها في أحد أدراجي أتحين فرصة مناسبة لتعديلها (حيث أنني لاأعرف كيف تكتب الوصايا) ثم إخبار أهلي بها ..

فكرت كثيراً بعدها في إضافة (التبرع بأعضائي حال الوفاة ) ولم أكن أعلم بشرعيتها ولم تكن حملة إمنح حياة قائمة في ذلك الوقت .. إنما جائتني الفكرة من ورقة قديمة جداً قرأتها وأنا صغيرة عند أحدهم ..

لم ترعبني فكرة الموت منذ صغري .. سلمت على جدي رحمه الله وأنا في السادسة من العمر .. وعلى عم والدتي وأنا في التاسعة كما أظن .. رَهبت من المنظر بالطبع لكنني لم أخف منهما .. زرت مع والدي القبور أكثر من مرة .. ووقفت وأنا في العاشرة على قبر مفتوح ورأيت اللحد .. كل مادار في عقلي أنا هذا المكان (يكتم) وكنت أخاف من الشجاع الأقرع حيث لم أكن أؤدي الصلاة كاملة وقتها .. بل إنني كنت أتخيل كيف ترد هذه الصلاة في وجهي بعد إنتهائي من التسليم .. وأؤنب نفسي وقتها كي لاأعود في التقصير بعد ذلك ..

أتخيل أيضاً كيف تقول الملائكة لي (صلّ ياحبيب الله) في أول الوقت و(صلّ ياعدو الله) في آخر الوقت .. كل ذلك كان نوعاً من محاولة الإستقامة من أجل ذلك اليوم ..

أكبر أمانيّ حتى الآن حال موتي (بعد دخولي الجنة) أن لايتحلل جسدي في القبر .. لاأعرف لماذا تؤلمني فكرة أن يأكل الدود جسدي على الرغم من أنه لايضر الشاه سلخها بعد ذبحها .. كما انني أريد قبراً يحتويني أنا وحدي لاأن يتم فتحه بعد عدة أشهر وتوضع بقايا جسدي على جنب ثم يقتحم خلوتي البرزخية أحد آخر .. قد يكون ذلك أيضاً حتى يتذكر المتذكرون أن قبري هنا .. ربما إن اتو يتلون دعواتهم على قبري .. لاأحب فكرة أن يزور قبري أحدهم وهو يظن أنني بالداخل ثم يعرف أن هذا القبر كان لجسد آخر منذ فترة ..

بالطبع أمنية كهذه تتطلب الكثير .. فإما أن تكون حافظاً للقرآن أو شهيداً .. وبما أن حفظ القرآن قد يكون أقرب لمجتمعي فإن تطبيقه هو الجزء الصعب جداً في هذه المهمة ..

ولأنه قد يبدو ذلك صعباً جداً (مع رحمة الله الواسعة) فإن التبرع بالاعضاء قد يكون طريقاً آخر للإستفادة من هذا الجسد ..

فكرت في هذا العام كيف سأكتب وصيتي .. وقد كان من المفترض أن اكتبها بالأمس أو قبله .. لكنني أخّرت هذه المهمة حتى أقوم بتوثيق التبرع بأعضائي رسمياً .. بعد مناقشة عائلتي بالطبع 🙂 ..

لم أفكر في طرح هذا الموضوع كتدوينة .. إلا بعد قراءتي لموضوع الإستاذ :  أشرف فقيه والذي ساعدني كثيراً في ترجمة كل ماكنت أريد قوله إلى حروف قد يقرأها الجميع بعد موتي .. وقد يدعون لي وقتها .. شكراً لك ..

لم أترك شيئاً يستحق .. هذا هو ماأفكر فيه .. ماأعلمه هو أن الصدقة الجارية هي الأفضل .. وكفالة المسكين أيضاً وبما أنني لاأملك إلا عقلي وقلمي فأتمنى أن أحقق بهما مايكون كصدقة جارية لي حال الوفاة ..ورجائي في الله اولاً وأخيراً أن لايعاقبني بما أذنبت وأن يسامحني على مافعلت .. والظن في الله كبير .. للدرجة التي أشعر بها أنه يحبني وأنني تحت رعايته منذ كنت صغيرة .. وأنه حماني كثيراً حتى بلغت هذا العمر .. الحماية التي لايستطيع حتى الوالدين تأديتها في مجتمع لايقبل الأخطاء بسهولة وأمام إنجرافات خطيرة كان من الممكن ان اكون أحد ضحاياها ..هاذه الحماية التي أذكرها في نجواي كثيراً واخبر الله أن لايدعني أتخبط بعد كل هذا العمر .. هذه الحماية ايضاً تجعلني أحياناً أتسرع في مواقف كثيرة لعلمي ان الله لن يخذلني إن عدت إليه وكأنها صك محفوظ لي ..   شكراً لله على كل شيء  رغم تقصيري الشديد  ..

* هل كتبتم وصاياكم ؟

Advertisements

13 تعليق

  1. كتبتها منذ ما يقارب السنة بعد أن وقعت بالصدفة على هذا الموقع ..
    http://www.wasiyah.com
    لا تزال غير كاملة تقريباً ولم أعدلها منذ كتبتها .. لكني مقتنع بالفكرة منذ فترة طويلة ..
    شكراً على التذكير بالتبرع بالأعضاء .. وضعت الفكرة في بالي ثم نسيتها : ) ..

    رحم الله الجميع ..

  2. قبل عدة شهور كتبت وصيتي ووضعتها تحت وسادتي .. لكنها اختفت وحقيقتا لا اعلم اين هي الأن لذلك يجب عليّ أعادتها ..

    اتذكر عند كتابتها راودتني الكثير من الافكار .. لماذا خطر ببالي كتابة وصيتي ؟؟ هل موعد موتي اقترب ؟ وما إلى ذلك ..

    عموما الله يحسن خواتمنا ويرزقنا الفردوس الاعلى 🙂

  3. عمر طويل لك وللجميع يارب

    😦 بوست يضيق الصدر :/

  4. أعتبر الوصية من أداب الرحيل ..
    لكن في هاللحظة من عمري أفضل أرحل بصمت .. وأترك أثاري الصغيرة تحكي بدالي ..
    إلا في حالة لو ارتبطت أو صرت أم .. وقتها ممكن أكتب كتاب مو وصية ..
    الله يرحمني برحمته الواسعة ويغفر لي ما تقدم وما تأخر ..

  5. شكراً من أعماق القلب يا هند ..

    تذكرة صادفت غفلة ..

    ممنون لك جداً ..

  6. الله يعيطكم طول العمر

    لم اكتبها

    ومن سوف يستفيد وانا في هذا العمر

  7. اقشعر جسدي وانا اقرأ
    لم افكر ان اكتب وصيتي .. ولا اعتقد في الاغلب اني سأكتبها يوما
    لا اعلم لماذا ..

    عندي دائماً (رغم ذتوبي الكثيرة) ثقة كبيرة برحمة ربي بي
    لا اجعل هذه الثقة موضوع اتكال بالطبع …
    احاول دائما تحفيز نفسي برحمة وكرم خالقي ..
    أتذكر ذاك الاعرابي الذي قال لرسول الله (إن حاسبني ربي على ذنبي حاسبته على مغفرته , وإن حاسبني على معصيتي حاسبته على عفوه , وإن حاسبني على بخلي حاسبته على كرمه) …
    وابتسم كثيراً عند رده سبحانه عليه بقوله ( لا يحاسبنا ولا نحاسبه فإنه رفيقك في الجنة)

    أيانق …
    أسأل الله لي ولك ولجميع المسلمين بحسن الختام وحسن المآل ، وأن يشملنا الله بعفوه وكرمه ورحماته ..

  8. ياه يا ايانق .. موضوعكـ ” تذكرة ” ..

    جعلنا الله واياك ممن طال عمره وحسن عمله و عوفي في بدنه وكانت عاقبته الجنة ..

    بالنسبة لي كتبتها ايام الثانوية .. و فكرت ان اجددها قبل ان ألد صغيرتي .. حيث ان الولادة تمنحك عمر آخر .. لكني كنت اكتفي بالتفوه بها لمن كان بقربي

    اما الان فشجعتيني لاعادتها خاصة اني بغربة ولا اعلم اعود او لا اعود ..

    و لا تنسي ان تواسي و نواسي من سيفقدنا في الوصية وان نذكرهم بالصبر واجره ..

    نسأل الله لنا جميعا حسن الختام ..

  9. ليس بعد!
    في كل مرة أحاول فيها الكتابة …. لا أجد شيئاً يستحق

  10. سبحان الله.. عجيب أمر الدنيا!
    قبل ساعتين من الآن.. اعترضت طريقي ورقة.. كانت وصيّتي الوحيدة التي كتبتها في حياتي.. هي وصية.. كتبتها العام الماضي.. قبل سفري للعمرة.. عى عجل كتبتها خوفا من أن يسرقني الموت ولا أكملها.. من يومها لم أكتب وصيّة.. لكنّها، ما زالت تعبّر عني..!
    أطال الله في عمرك .. ويسر لك الطاعات.. كل عام وأنت من الله أقرب وإليه أحب!!
    دمتِ بود

  11. كل سنة اخط وصيتي .. ولا أعلم نهايتي ..
    وأجد اخطائي تزداد فلست الافضل دوماً
    وحبي لمن حولي يزداد..

    عمراً مديداً ان شاءالله عامراً بطاعة الرحمن ..

    كل الود .. استمتعت هنا

  12. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    في الايام القليلة السابقة بدأت أشعر بمشاعر لا اعلم سبيلا لوصفها اجبرتني لاكتب وصية.
    لم اكتب وصية ولا ادري كيف يكتبونها او ما يكتب فيها.
    لا ادري إن كانت “أوصيكم بتقوى الله” تكفي أقولها حين الفراق إن استطعت قولها.

    فأنا لم أبلغ حتى منتصف أعمار الأمة.. وليس عندي ما يستحق ذكره في الوصية ..

    حينها أردت أن أرى ما يكتب في الوصية، عندها بحثت في الانترنت فوصلت لهذه الوصية.
    أحببت طريقة العرض ومع أني لم أجد ما كنت أبحث عنه إلا أني لم أحب أن لم أقرأها.
    بارك الله فيكم

  13. كلام جميل جدا ً و كذا نبيل.
    لا ينبغي لنا الاحتماء بالدنيا و زخرفها، كل ذلك زائل.

    لا ننخدع بطول الأجل و نمنّي النفس فيه و به.

    أشكرك.

    سعيد لتعثري بمدونتك 🙂

    هـ .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: