فلسفة كتابية ..

616793140_4baab5ee18

أقف أمام الورقة الصامتة محاولة الكتابة .. الكتابة فوق أجراح آمل أن تلتئم يوماً .. أحاول نسج حروف التطهير فوقها محاولة منع أي جرثومات من التكوم وصنع التهاب في غفلة مني ..
تتحداني الورقة .. لاشيء أصعب على الكاتب من تحدي الأوراق لذاكرته .. وهو الذي يقتات شعرا ويملئ تفاصيل يومه بما يرونه الآخرين مجرد هذيان ..
وقفات التأمل التي تطول بالكاتب تأخذ من عمره الشيء الكثير وتكاد لاتورثه سوى الهم وإشتعال الرأس في سن مبكرة .. تصبح الحروف للحظات خائنة تجر صاحبها الى قبره سريعا .. تتلون أمامه كحرباء .. تنظر إليه وهو يحاول إستجداء شيئا منها ليبلل أوراقه .. ثم يهدئ أخيراً ..


كل ذلك يدعو الكاتب إلى التأمل أكثر والهدوء أكثر والجري خلف الكلمات ليملأ جيبه بحصيلة لغوية جيدة ..
ينظر للغة في عيون الآخرين كيف تبدو .. يفتح شراعه ويدير الدفة كقبطان في بحور الشعر .. مضحياً بحياته بين النجاة والغرق ..


لاحياة للشاعر من بعد الشعر .. يحتاجه كما تحتاج النوارس للسماء .. ماجدوى العينين إن لم نستطع أن نصف بها آيات الطبيعة .. وإن لم نستطع – بعد تقليب البصر- ان نكتب حروفا  تشعرنا بهاذا الجمال وتزيدنا ايمانا وتسليما ..؟


ماجدوى اليدين إن لم تخط بالحبر على الورق معاني يرسمها خيال الشاعر وواقعه .. ماجدواها ان لم تنعطف تارة مع حرف الجيم ووتغوص في عمق النون .. ماجدواها ان لم تخبرنا بما كان وسيكون ؟


ماجدوى الأذنين إن لم نستطع أن نسمع بهما نغمات الطبيعة ثم نقدمها كقرابين للشعر لعله يرضى عنّا ويفتح لنا كنوزه ..


يقف الشاعر مائة يوم أو يزيد .. يعتكف في ميدان الشعر .. ينتظر براقاً يعرج به إلى سماء تظلل الشعر بجناحيها .. تفتح له خزائنه .. تقلده عقد لؤلؤ حر وتهبه قلم جده الأكبر !
يقرب كل يوم قصيدة .. بيتاً .. شعراً .. نثراً .. ينتظر أن تقبل قرابينه التي سهر عليها .. يغض الطرف عن شاعر آخر تقبل قرابينه .. يثور داخلياً ثم يتعوذ بالله من أن يقتله حسداً ..


مغامراته الحياتية التي يخوض فيها مضحياً بعمق عقله من أجل أن يكتشف صورة ما يزين بها كتاباته .. سماعه لحكايات الآخرين التي تبدو مملة .. إيماءات الرأس .. حركة العينين وعناق الجفن للجفن .. كلها لاتغيب عن ناظريه .. ويسجلها في قاموس ذاكرته لعله يحتاجها يوماً ما ..


وحين يثور .. تنقلب كل اللغة عليه .. ويصارع آلامها وحده .. كعاصفة تدب عليه وهو يدير الشراع يمنه ويسره لعله ينجو من هذا الطوفان ..


ماأتعس الكاتب ..
يضحي بحياته من أجل اللغة .. يصوغ هموم الآخرين وكأنها همومه .. يحملها على ظهره .. يقلب الأوجاع وجعاً وجعاً .. حتى ينحني ظهره شعراً ..
وهو بذلك جذل جداً .. وكل قصيدة يخرجها تعد بمثابة طفل وليد له .. يعتني به حق الرعاية حتى يكبر .. ولايمل منها دوماً ..
يعتني بها ويود أن تكون قصائده متفوقة دائماً حتى لو أورثها ذلك التعب .. مثل الوالدين تماماً حينما يعتقدون أن أبنائهم الأفضل ضاربين قدراتهم جدار الواقع .. ومتأملين فيهم الشيء الكثير ..


وصف الحياة هو أمر أصعب من الحياة نفسها ..
عندما تعيش  حياتك فأنت تعيشها من
أجلك .. ومايدور في محيطك هو مايهمك .. أما الكاتب فهو يغرق في محيطات الآخرين .. يوسّع دائرة مايحيطه من أجل أن يستوعب كل مشاعرهم .. قد يبكي في لحظات الفرح .. قد يضحك في أوقات الحزن .. قد تغيب مشاعره تماماً ولايكاد يشعر سوى بمشاعر الغير ..


وحين يستطيع أن يمس واقعاً يتهلل .. ويضيء جبينه عن قصائد نائمة .. يثور ويحارب داخلياً حتى تنمو حروفه وتشبع هذا الواقع الجديد ..
إنه يكتب ليعيش .. ويعيش ليكتب .. ومامن شيء يوقفه عن موج الكتابة سوى أن يموت أو يفقد قدرته على الكتابة فجأة ..


رحم الله الكاتب ..!

Advertisements

2 تعليقان

  1. عظّم الله أجركم في الكاتب !

  2. وأجرك ..!
    اهلا بك 🙂

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: